أكد عميد كلية التربية بجامعة الملك سعود ورئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية (جستن) ومستشار مركز اليونيسكو الإقليمي للجودة والتميز بالتعليم بالمملكة العربية السعودية الدكتور فهد بن سليمان الشايع
​أن تتردد نداءات لتحويل التعليم من النمط التقليدي إلى نمط افتراضي عن بعد، يحل فيه التعلم الإلكتروني عن بعد محل المدرسة والمعلم، ويؤدي دورهما بشكل كامل، مما يعني الاستغناء عن التعليم التقليدي، وعن المعلم الذي يتواصل مباشرة مع طلابه سواء أكان هذا التواصل وجها لوجه أم عن بعد أم مزيجاً بينهما. وتزايدت هذه النداءات مع تداعيات جائحة كورونا “كوفيد-19″، ومع تعليق حضور الطلاب إلى المدارس في أغلب دول العالم خلال العام 2020.

ولا شك أننا في ظل الثورة الصناعية “المعرفية” الرابعة، والتحول للثورة الرقمية الثانية، وتعاظم الاعتماد على التقنية والذكاء الصناعي، ويتحتم علينا في قطاع التربية والتعليم الإفادة القصوى من إمكانات هذه المرحلة في تنويع أساليب التعليم وبدائله، التي تساعد المتعلم على تحقيق غايات التعليم، والتي تجمع بين نواتج التعلم المعرفية والمهارية، مع التركيز على بعد القيم، في ظل هذا الانفتاح التقني الهائل. ولكن: هل يعني هذا الاستغناء عن المعلم أو تراجع دوره المحوري في العملية التعليمية؟

وقال الشايع يأتي اليوم العالمي للمعلم، الذي حددته اليونيسكو في الخامس من شهر أكتوبر لكل عام، ليسلط الضوء مجدداً على دور المعلم القيادي في العملية التعليمية، ورفعت اليونيسكو شعارا لهذا العام يركز على هذا المفهوم، وهو “المعلمون: القيادة في أوقات الأزمات وإعادة تصور المستقبل”. وحددت المذكرة المفاهيمية المعلنة من اليونيسكو للاحتفال بهذا اليوم؛ ثلاثة أدوار قيادية رئيسة للمعلم في ظل هذه الأزمة “كوفيد-19″، وهي: 1) القيادة على مستوى الصف الدراسي (المستوى الجزئي)، والذي يؤكد دور المعلم القيادي في إدارة العملية التعليمية سواء كانت وجها لوجه أم افتراضية، وأهمية التواصل المستمر بين المعلم والطالب. 2) القيادة على مستوى المدرسة (المستوى المتوسط)، وتكمن أدوار المعلمين في هذا المستوى بقيادة تنظيم العملية التعليمية وإدارتها على مستوى المنهج المدرسي ككل، وذلك من خلال تحقيق الاتساق الداخلي بين مكونات المنهج (أهداف وخبرات التعلم، والمقررات والكتب المدرسية، وممارسات التعلم والتدريس والتقويم)، كما يتأكد هذا الدور في أوقات الأزمات، ويبرز دور المعلم الخبير في قيادة العملية التعليمية، وفي تقديم برامج المشورة والنصح لزملائه المبتدئين من خلال مجتمعات التعلم المهني. 3) القيادة على مستوى المجتمع المحلي (المستوى الكلي)؛ حيث يبرز دور المعلم في خدمة المجتمع المحلي من خلال دوره في عملية الاتساق الخارجي بين المنهج المدرسي واحتياجات المجتمع المحلي، وتبرز الحاجة لمبادرات المعلمين في قيادة التعليم على مستوى المجتمع المحلي في أوقات الأزمات أكثر من غيرها؛ لدورهم المحوري بوصفهم خبراء تربية وتعليم، ولثقة المجتمع المحلي بالمعلم، وهذه الثقة متأصلة في جميع المجتمعات قديما وحديثا.

وعوداً إلى السؤال الذي بدأت به هذا المقال: هل تداعيات الثورة المعرفية والرقمية والذكاء الصناعي، قد تقودنا إلى الاستغناء عن المعلم في مرحلة قادمة بشكل كامل، أو قد تؤدي إلى تحول في دوره المحوري في العملية التعليمة ليصبح دوره أقل أهمية على حساب أدوار أخرى، مثل: التصميم التعليمي الرقمي، وممكنات الذكاء الصناعي، وأدوات الثورة الرقمية؟
أكد علماء السلف منذ القدم أن “من كان شيخه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه”، وأكد علماء التربية في الحاضر أن دور المعلم المحوري يتأكد ويتعاظم وقت الأزمات، كما أنه أساس نجاح كل موجة تطوير يشهدها التعليم. ومع الثورات الصناعية والمعرفية والرقمية الحالية؛ تؤكد الدراسات أهمية التصميم التعليمي الفردي المبني على احتياج الطالب أو مجموعة الطلاب في الصف الدراسي المستهدف، وأن ذلك يعد أساساً لنجاح التصميم التعليمي والعملية التعليمية سواء كانت وجها لوجه، أم عن بعد، أم مزيجاً بينهما. ويتأكد أهمية العناية بالبعد الاجتماعي والتواصل بين المعلم وطلابه، وبين الطلاب بعضهم مع بعض عند الاتجاه للتدريس عن بعد لتحقيق أهداف التعلم المعرفية والمهارية والقيمية. ومن ثم؛ يكاد أن يجمع المختصون والدراسات العلمية الرصينة والموثقة على أن التواصل المباشر والمتزامن بين المعلم وطلابه أساس مهم لنجاح العملية التعليمية مهما اختلف الوسيط سواء وجها لوجه، أم عن بعد.

إن دراسة أغلب الأنظمة والتجارب الناجحة في التعليم على مستوى الدول والمؤسسات والمدارس تجدها تتفق على أهمية دور المدرسة والمعلم ومحوريتهما في تخطيط المنهج وبنائه وتنفيذه، وكلما فقد أو ضعف دور المدرسة والمعلم في مراحل بناء المنهج وتطويره وتنفيذه بشكل كامل أو جزئي، ضعف جودة النظام التعليمي. وقلما تجد مبدأ أو نظرية تربوية يجمع عليها التربويون والمختصون مثل إجماعهم على مبدأ “لا يمكن أن تتجاوز جودة أي نظام تعليمي جودة معلميه”.

وختاماً، ونحن نحتفي بالمعلم في يومه العالمي في ظل هذه الظروف الاستثنائية، يجب علينا أن نقر بفضله ودوره في بناء الإنسان والمجتمع، وهذا الإقرار والاعتراف ليس مجرد عاطفة تذكر مجاملة للمعلم في يومه العالمي، بل إقرار تؤكده الخبرة الإنسانية في الماضي، وتشهد به الدراسات العلمية في الحاضر، وتستشرفه الرؤية المستقبلية بتعاظم دوره مع كل موجة تطوير أو تحديث للتعليم، أو أزمة يشهدها العالم أو إقليم معين.

واختتم الشايع قوله “دمت معلمي منارة للعلم والتعلم، وقائداً للمجتمع المحلي نحو التنمية المستمرة، وملهماً للعالم أجمع في دروب التعايش والسلام، ونبراساً ومثلاً للقيم الإنسانية السامية”.