(صدى):
يقول الإمام أبو جعفر الطبري: استخرت الله في عمل كتاب التفسير وسألته الإعانة على ما نويته ثلاث سنوات قبل أن أعمله فأعانني سبحانه.. وقال ابن خزيمة: كنت إذا أردت أن أصنف شيئاً أصلي مستخيراً حتى يفتح الله لي ثم أبدأ بالتصنيف!

وقيل عن كتاب الجمل للزجاجي أنه كتاب مبارك ما اشتغل به أحد إلا انتفع؛ وكان الزجاجي صاحب هذا الكتاب قد ألفه في مكة وكان إذا فرغ من باب فيه طاف ودعا الله أن يغفر له وأن ينفع به قارئه فانتفع منه هو وطلبة العلم!

ثم قارن بالله عليك بين ذاك الزمان الذي جاد فيه الأولون وهم أهل العلم بالدعاء والاستخارة والاستعانة للتأليف والتصنيف.. لأنهم يعلمون أن ليبلغوا مرحلة التأليف لابد لهم من نية صادقة وجهد جبار وعمل يُستحق أن يُؤلف ويُبذل فيه حبر أقلامهم ونتاج عقولهم وثمرة علمهم وعصارة أسفارهم.. وفوق هذا كانوا يخشون على نياتهم حتى أن الإمام الماوردي لم يخرج كتبه في حياته وإنما خرجت بعد وفاته؛ لأنه أوصى أحد الثقاة أنه إن عاين الموت فليأتيه ويمسك يده فإن رأها مقبوضة فليلق كتبه في النهر فإن نيته لم تكن صالحة، وإن كانت يده مبسوطة فليخرج كتبه.. فلما حانت احتضار الماوردي جاء الرجل ورأى يده مبسوطة فأخرج كتبه، ولقيت القبول إلى زماننا!

وتأمل بعد هذا عدد المؤلفين والمؤلفات الذي صار أكثر من القرّاء! فالكل صار يدعي الكتابة والتأليف وأنه هو الكاتب البارع والباحث المضني وأديب زمانه وأعجوبة أقرانه.. فلا تدري مما تتعجب من قناعتهم بأنهم كتّاب أم من جدية من يقتني مؤلفاتهم أو من ثقة دور النشر بهم حتى نشرت لهم الغث والسمين فاختلط علينا الثرى بالثريا فكسد السوق ومات الذوق

ينقل الكاتب العماني نعيم الفارسي في كتابه عزاءات القراءة عن الكاتب المغربي ربيع السملالي أنه سمع من صاحب دار نشر مبتدئ أنه أراد في بداياته خوض غمار التجارة في فتح محل للمأكولات، لكنه بعد الاستخارة والاستشارة اقتنع أن دور النشر والطباعة في هذا الزمن صار لها ربح مادي وفير.. وقد صدق فكم من كتاب قد خرج للنور وكان الظلام أولى به وكم من كتاب لم يهم أحداً إلا كاتبه ومع ذلك عجت بهم الأسواق وطالت بهم الأعناق!

ولست والله أشمت بهم بل أسأل الله لهم التوفيق والعلم النافع والعمل الصالح والقبول لنا ولهم.. لكن يحزنني هذا الهوان الذي صار للعلم والكتب، فبعد أن كانت توزن بالذهب صارت مجرد قوالب تقدم مع أطباق حلوى وفنجان قهوة لتصور بعد هذا مع تلك العبارات الساذجة عند المساء حلمت بك وعند المطر وجدتك! وياليت هذا المساء أخفى بظلمته كتابك وفنجانك فارحتنا..!

ظل الإمام ابن حنبل عازباً أربعين سنة من حياته يطلب العلم حتى تزوج بعد الأربعين.. وكل هذا لكيلا يشغله شيء عن طلب العلم فلا يظلم في طلب علمه زوجه ولا يهضم نهم علمه بزواجه.. نفوس تعلقت بالعلم حق التعلق فلما كتبت فيه بعد تمكن وتحدثت عنه بعد إتقان سُمع لها ونُقل عنها؛ لأن العلم عزيز لا يتأتى عرشه إلا لمن أحكم سلطان هواه في سهر ليله وبذل جهده ونيل غايته..

لهذا ذكر ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين في معرض كلامه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله "وكان رحمه الله شديد الكراهية لتصنيف كتاب له، بل كان لا يحب أن يُكتب كلامه من ورعه وتواضعه؛ فعلم الله سبحانه حسن نيته فلقي علمه القبول في الأرض حتى نقل من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين كتاب!" وقلتُ على صدق النوايا تكون العطايا وعلى قدر الجهد تبلغ المجد.

Time واتساب