(صدى):

هذه قصة حقيقية حدثت لي في آخر زياراتي لدبي

كنت في مطار دبي عائدا إلى بلدي وقد وصلت المطار قبل موعد رحلتي بأكثر من ساعتين فاستغليت الوقت وذهبت لأحد مطاعم المطار لأتناول غدائي وبعد الانتهاء من الطعام بحثت عن إبرة الأنسولين الخاصة بي فتفاجأت انها فارغه فاسقط في يدي ثم تذكرت أن هناك مستوصفا في المطار سمعت عنه عندما شاهدت سابقا برنامجا وثائقيا عن مطار دبي ..

فخطر في بالي أن اذهب إليه وسوف يعطوني جرعة الأنسولين المناسبة التي ستكفيني حتى أعود لبيتي ..

سألت عن مكان المستوصف ووصفوه لي في طرف الصالة البعيد فسرت إليه وانا اسحب حقيبتي وقد بدأ الإعياء يصيبني نتيجة ارتفاع السكر وعندما وصلت لباب المستوصف تفاجأت به يفتح لتخرج منه تلك الحسناء الصينية فشرحت لها بلغتي الانجليزية المتواضعة وضعي الصحي فعلت وجهها علامات القلق وقالت اتبعني فسرت وراء خطواتها المسرعة وانا أكاد أسقط من الإعياء فالتفت إلى وتناولت مني حقيبتي للتخفيف عني وانطلقت أمامي وهي تنادي بصوت مرتفع العاملين هناك لمباشرة حالتي فتجمعوا حولي وارقدوني على السرير وبدأوا بإجراء التحاليل المعتادة في مثل هذه الحالات من قياس لضغط الدم ومستوى السكر ونبضات القلب ..

كل هذا وهذه الحسناء واقفة بينهم قلقة ومتوترة وزاد قلقها وهم يخبرونها بمستوى السكر في الدم..

أما أنا فقد كنت صامتا وهادئا لأن هذه الحالة قد مرت بي عشرات المرات في حياتي وعلاجها هي جرعة انسولين تعيدني لوضعي الطبيعي ولكن قلق هذه الحسناء علي كان ملفتا لنظري فبدأت افكر بطريقة الرجل الشرقي وقلت في نفسي لعلي لفت نظرها بوسامتي فوقعت في غرامي من النظرة الأولى !!

ولكن هذا الخاطر سرعان ماتبخر بعد أن انتهبت لكرشي المرتفعة من تحت اللحاف وتحسست ذقني البيضاء وتذكرت سحنتي البدوية !!

والحقيقة أنني نسيت وضعي واشفقت على هذه الحسناء التي زاد قلقها فقلت لها لا تقلقي ياسيدتي سأكون بخير

فابتسمت ابتسامة خجله وكأنها شعرت بالحرج من قلقها وخرجت من الغرفة ثم عادت من جديد بعد دقائق وبعد أن تم تزويدي بجرعة الأنسولين المناسبة وسألت عن حالتي وشاهدت علامة الرضا والراحة عليها بعد أن اطمأنت على وضعي وودعت الجميع بما فيهم أنا وغادرت على عجل..

سألت إحدى الطاقم الطبي وهي سوريه عن هذه الحسناء وهل هي طبيبه قالت لا هذه مسافرة صينية جاءت تشتكي من وعكة صحية خفيفة وتم علاجها وخرجت ولكنها عادت بك

وبقيت لكي تطمئن عليك دون أن تنتبه إلى أن رحلتها على وشك الإقلاع !!

خرجت من المستوصف بعد أن تأكدوا من وضعي الصحي وموقف هذه الحسناء عالقا في ذهني وبدأت أتساءل:

ياترى لماذا تقلق علي إمرأة لم أراها ولم ترني من قبل ؟!

لسنا أتباع دين واحد

ولسنا أبناء وطن واحد

ولا أبناء ثقافة واحدة

ولم تكن تبحث عن المال في سبيل خدمتي وسحب حقيبتي

ولا يوجد أي رابط يربط بيني وبينها قط

عملت معروفها وذهبت إلى غير رجعه !!

مالذي جعلها تفعل ذلك ؟!

انا متاكد أن الكثيرين قد حدث لهم مثل هذا الموقف من هؤلاء القوم سواء أسيويين أو غربيين وخصوصا من يسافر كثيرا إلى هناك !

والكثير يعرف عبارة الإمام محمد عبده الشهيرة : ذهبت إلى أوروبا فوجدت إسلاما ولم أجد مسلمين وعدت إلى بلاد العرب فوجدت مسلمين ولم أجد اسلاما !!

وعدت اتساءل: لماذا لا أجد مثل هذه المواقف الإنسانية منتشرة بين أبناء قومي ؟!

أولسنا خير أمة أخرجت للناس ؟!

أولسنا نحمل أفضل رسالة ؟!

طبعا سيأتي اهل ( النفسيات ) ليردوا علي بتلك التعليقات المكررة بأنني مصاب بعقدة الغرب

أو أنني لا أرى الا أفضل مالديهم وأسوأ مالدينا

والبعض سيردد العبارة المشهورة : لهم الدنيا ولنا الأخره !!

وتذكرت كم الرسائل الدينية التي تنهال على جوالاتنا وكم المواعظ التي نسمعها ليل نهار وعندما نرى تصرفات أصحابها نصاب بالذهول !!

نعم ياسادة : لسنا بحاجة لمواعظ ونصائح بل نريد قدوات حية تسير بيننا وتأكل من أسواقنا وتتعامل معنا بكل إنسانية فهؤلاء أفضل مئات المرات من الخطب والمواعظ !

عدت مرة أخرى أفكر في تصرف تلك الحسناء وتساءلت : ياترى هل ستكون من حطب جهنم يوم القيامة !

ولكن سرعان ما طردت هذه الفكرة عن رأسي فهي كحقل الغام لن انجو منه إن أنا خضته !!

فقط تذكرت تلك المومس التي تاب الله عليها وإدخلها الجنة لأنها سقت كلبا وقلت لعل الله يتوب على هذه الحسناء التي ساعدت انسانا لا تعرفه لتنقذ حياته !!

هنا فقط اطمأن قلبي وانطلقت إلى طائرتي عائدا .

اضاءة :

لا تزهد في المعروف

فالدهر ذو صروف !!

Time واتساب