• الأحد 23

    فبراير

والنفس راغبة

يقول الطنطاوي في كتابه فصول احتماعية أن الفضيل بن عياض كان يعيش في بيت فيه غرفتين من طين وكان لا يملك فيهما إلا جلد يجلس عليه وإبريق ماء يتوضأ به وسراج يوقده في الليل ومع ذلك كان أسعد من هارون الرشيد في قصره؛ لأن الفضيل راضٕ بما لديه لا يبتغي شيئاً مما حوله والرشيد يملك ربع الأرض حينئذٕ ويطلب فوق ذلك المزيد!

ثم يردف الطنطاوي رحمه الله قائلاً فالسعادة هي في كلمة واحدة هي (الرضا) فكلما قنعت سعدت وكلما زادت طلباتك نقصت سعادتك.. وبالمناسبة تصور أن الفضيل بن عياض هذا كان بنفسه قاطع طريق يسرق كل يوم الغنائم ولا يشبع وحين تاب رضي بالغرفتين وإبريقه وسراجه فعاش أسعد الناس!

يقول أبو ذؤيب الهذلي:
والنفسُ رَاغِبَة إِذا رَغَّبْتَهَا
وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيْلٍ تَقْنَعُ
فالنفس بطبعها راغبة طامعة فمهما حاولت إسكاتها بشيء واحد زادت وطمعت إلى ما هو أكبر منه؛ حتى أن ابن الجوزي يقول في صيد الخاطر لو
قُدِّر لرجل أن يتزوج نساء بغداد كلهن وقدمت امرأة مستترة من غير البلد لظن أنه يجد فيها ما لا يجد في غيرها.. لهذا قلتُ ما أشبه النفس وحرصها على رغبات الحياة ولذاتها كالظمآن لماء البحر كلما شرب منه زاد عطشاً.

لذلك كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لغلامه لما اشتهى لحما فذهب السوق اشتراه” أكلما اشتهيت شيئاً اشتريته ؟!” ومن جميل التأملات القرآنية أن الله عز في علاه حين ذكر نعيم أهل الجنة ذكر أنهم لا يريدون تحويلاً عنها أو تبديلاً لها (خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) على عكس حالهم في الدنيا وسأمهم حتى من النعيم إن زاد!

وكنتُ قبل مدة قابلتُ معتمراً جاء من السودان الحبيبة إلى مكة وبدا لي أنه صاحب ثقافة وطالب علم فتجاذبنا أطراف الحديث فقال لي أنه يعرف رجلاً ميسور الحال سئل يوماً عن حاله فقال مهموم بأشغال الأولاد ودراستهم وبدأ يشكو حال كل واحد وكيف يحقق لهذا وذاك رغباتهم ومتطلبات معيشتهم ودراستهم، وبالمقابل سمع عن راعي غنم لا يملك إلا عمله في الرعي وفرشة يجلس عليها وسئل عن حاله فقال أظن أن الله سبحانه لم ينعم على أحد مثل ما أنعم عليَّ..

وقتها تذكرتُ قول ذلك الأعرابي الذي سئل عن أجمل مافي الحياة فقال أن أكون في يوم حار في سموم الظهر ولهيبه فأثبت عصاي على الأرض ثم أعلق ردائي فوقه وأستظل تحته فذلك لذة العيش ونعيم الحياة! فتأمل تلكم الكلمات ثم انظر إلى ما حولك بعين الرضا في صنيع المعطي واحمد بقلب قانع في عطاء الخالق؛ ثم اعرف وتأكد وتيقن أنك لو قُدِّر لك أن تأخذ كل ما تريد وتنال كل ما تتمنى لما اخترت إلا ما قُدِّر لك ومرد ذلك كله (وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)