• الأربعاء 19

    يونيو

الراسمون لأحلامهم

أكاد أجزم أن الراسمين لأحلامهم والواضحين في أهدافهم هم الأقرب للوصول إلى مبتغاهم؛ وشخصياً اعترف بكرهي لمادة الرياضيات منذ صغري وكنت أنتظر بكل شوق وصولي إلى الصف الثاني الثانوي لأدخل القسم الأدبي وأنفك من هم الرياضيات وثقلها على قلبي للأبد؛ لكن إدارة المدرسة آنذاك وضعتني في القسم العلمي ورفضوا نقلي بحجة أني ممتاز ودخولي للقسم الأدبي سيضيّع مستقبلي؟! لا أنكر أني بلغت من الاسيتاء درجة جعلتني أخبرتهم أني لن أكمل دراستي إن لم يحققوا رغبتي وأني قد خططت لحياتي وسأصبح معلماً بإذن الله سواءً كنت في القسم العلمي والأدبي وبعد أخذ ورد وافقوا على طلبي ونقلوني؛ ومضت تلك الأيام والسنين الطويلة وأصبحت معلماً بفضل الله سبحانه.

وثمة حوار جميل دار في رواية أليس في بلاد العجائب للكاتب لويس كارول حين تاهت أليس أمام مفرق طرق يؤدي إلى عدة اتجاهات فسألت القط شيشاير آنذاك إلى أين تؤدي هذه الطرق؟ فرد عليها بأن ذلك يعتمد عليكِ فأنتِ إلى أين تريدين الذهاب؟ فقالت لا أعلم؛ فقال إذن لا يهم معرفة أي طريق ستسلكين؛ ورغم بساطة الحوار إلا أن معانيه عميقة فمن لا يعرف هدفه وطريقه في الحياة لن يهمه أي طريق سيسلكه؟! لهذا أقول أن بعض الفاشلين دراسياً ووظيفياً لم يفشلوا بسبب قدراتهم أو ظروفهم بقدر ما فشلوا لتخبط عقولهم وانعدام أحلامهم وضبابية أهدافهم؛ وبعيداً عن المثالية أضف لهذه الأمور (عدم وجود واسطة قوية)

وتأمل كيف أن رسم الأحلام ووضوح الأهداف يغير حياة الشخص حتى مع كبر الأماني والطموح وكثرة المعوقات والمحبطات؛ كالذي روي في كتاب الفرج بعد الشدة للتنوخي عن شيطان الشعر عبد الملك الأصمعي أنه كان شاباً فقيراً في البصرة لا يعرفه أحد؛ وقد رسم هذا الشاب بطموحه خطة لحياته ورأى نفسه ومجده في طلب العلم فكان يخرج كل صباح يطلب العلم حتى المساء وكان يمر في طريقه على بقّال في زقاقهم؛ وفي يوم قال له البقال يا هذا اطلب معاشاً واترك الكتب فإنك لو طلبتني بكل كتبك جزرة ما اعطيتك؛ فيتجاهل الأصمعي كلمته الجارحة ويمضي في هدفه حتى بزغ علمه ليطلبه الرشيد لتأديب أولاده ويجري عليه كل شهر عشرة ٱلاف درهم ولما رأى علم أولاده وما وصلوا إليه جعل الأصمعي من خاصته وجلسائه؛ فلما رجع للبصرة احتفى به واليها وأهلها ولم يناديه أحد باسمه تعظيماً له ولمكانته من الرشيد حتى جاءه ذلك البقال من بين الناس وعليه عمامة وسخة وصاح مستغرباً أنت عبد الملك؟! فقال الأصمعي ضحكت من حماقته كيف يخاطبني باسمي كما يخاطبني الرشيد وحده!!

وأخيراً قبل أن أنهي مقالتي نسيت أن أخبركم أن كرهي للرياضيات لم ينتهِ عند هذا الحد فقد درستها أربعة مستويات في الكلية بحجة أنك ستكون معلماً ولابد أن تلم بكل شيء!! وما ضرني كرهها في تحقيق حلمي ولله الحمد؛ فمشوار الألف يبدأ بخطوة لكن المهم أن تكون خطواتك في مسارها الصحيح وفي الطريق الذي تريده أنت لأنك سستغلب حينها على أي عائق لأنك تعلم ما الذي ينتظرك في نهايته.. وهي لوحتك الجميلة التي رسمتها طوال حياتك


تعليق واحد

[ عدد التعليقات: 1712 ] نشر منذ أسبوع واحد

مقال جيد لابأس به ، تقيم ⭐⭐

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *