المعلم هو النور والشمعة المضيئة للمجتمع التي تنقله من دياجير الظلام إلى فلق النور المبين وهو الشعلة المنيرة التي تنير الدروب لجميع الأجيال وهو الثروة الحقيقة وكنز كل مجتمع، وهو المنارة التي تضيء طريق العلم الصحيح لأولادنا فلذة أكبادنا، فالمعلم هو أول من يزرع القيم والأخلاق وحب الخير لأطفالنا وهم في عمر الزهور، وقد حرص الدين الإسلامي العظيم على تبيين أهمية المعلم ودوره في نمو المجتمع قال تعالى { يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وتحدثت المآثر والمنابر في فضل المعلم، ومن أشهر ما قيل في تبجيل المعلم، قول أمير الشعراء أحمد شوقي:
قم لـلـمـعلـم وفِـّه الـتـبـجـيلا … كاد المـعلـم أن يكون رسولا

إذا المعلّمُ لم يكنْ عدلاً مشى … روحُ العدالةِ في الشبابِ ضـئيلا
فالمعلم يكاد أن يكون عظيماً بعظمة الرسل والأنبياء، فبالدين تصلح الأمم، وبالعلم تسير على طريق الخير والصواب، فلا خير في مؤمن جاهل لا يفيد مجتمعه بشيء ولا خير في مجتمع لا ينتج.
فالمعلم هو من يصنع بيديه الطبيب والمهندس والشرطي وعامل البناء، وينهض بالأمم عندما أضرب القضاة عن العمل في سبيل مساواة رواتبهم بالمعلمين ردة عليهم المستشارة الألمانية ميركل برد حكيم وومميز كيف أساويكم بمن علموكم؟ بالفعل المعلم هو الأول في كل القطاعات والمستويات فمن خلاله تخرج القضاة والمهندسين والأطباء…
ألا يستحق هذا النبراس العظيم التقدير والثناء على جهوده، أما تستحق هذه الشمعة رد جميل يليق بتعبها وجهدها، فلنذكر أنفسنا وأطفالنا بشكر المعلم، ورفع القبعات أمامه لكل فعل عظيم يقوم به، والابتعاد عن تقليل دوره وأهميته في بناء جدار المجتمع، والاعتراف بكونه الأساس المتين الذي يتكئ عليه كل أفراد المجتمع، ليوصلهم لبر الأمان كيف وهو الذي يعلم ويربي ويكدح ويزرع والمجتمع يحصد فلنحسن الثناء ليحسن العطاء ونرد الجميل لننعم بخير جيل ونربي أطفالنا وأبنائنا بشكره والاعتراف بفضله وتقديره.
للأسف أن ينعت المعلمون بـ (الشكاؤون البكاؤون) وأن تكون ممن يعتلي هرم التعليم ليفتح الباب لسفهاء القوم فيصبح المعلم بين للمتردية والنطيحة لكل يطعن فيه فصدق المثل القائل سقط المتاع وشداد القوم.
فهل هذا ما يستحقه من قيل به: أعَلِمتَ أشرفَ أو أجل من الذي … يبني ويُنشئُ أنفساً وعقولا
وقد نجح السلف حينما كانوا يقولون من علمني حرفًا صرت له عبدًا ومقولة الملك فيصل الشهيرة ( لو لم أكن ملك لتمنيت أن أكون معلم) فاثبت أيها المعلم فإنك تقود أمة واعلم أن المجتمع يواجه هجمة شرسة لست أنت وحدك بل هجمة لمواجهة المجتمع بقدوته بدوا بالمرأة ثم المعلم وكلنا نعلم أن هدم الحضارات يبدأ بهدم الأسرة (المرأة) لتغييب دورها المربي والقدوة الحسنة حتى تخجل من وصف ربة منزل ليتحول دورها، ولهدم التعليم عليك بالمعلم فلا تجعل له أهمية في المجتمع قلل من مكانته حتى يحتقره طلابه ويسقط لدى من المجتمع.
إن المعلم يعيش حياة لا يعلمها إلا من يعيشها فقد أصبح التّعليم من أصعب المهن وأشقها فهي ليست بالمهنة الجاذبة للباحثين عن عمل فالتعب الوظيفي الذي يعانيه المعلم بعدد الطّلبة الكبير وكثرة الأعمال الروتينية إذ أن جميع المهن والوظائف تنتهي بانتهاء الدوام وبعودة الموظفين إلى بيوتهم إلا مهنة المعلم مهنة ممتدة لا تنتهي بالمدرسة بل تمتد للمنزل ومع ذلك نرى الموظفين في القطاعات الأخرى يرون أن في مهنة التّعليم الراحة والسعادة ناهيك ما يتلقونه المعلمين من إساءة مجتمعية متكررة، فالمعلم يبدا دوامه بعد الفجر مباشرة، فدوامهم قبل دوام الموظفين، وإذا أخذوا إجازة في الصيف مع الطلاب فبدون أي مميزات وحوافز، فلا تذاكر ولا فنادق ولا رواتب إضافية، يتحدث العامة وإعلامهم إن المعلمين أكثر الناس إجازة وكأنهم يريدون أن يسجنوهم بين جدران المدارس لوحدهم!!
وقد صدق من الشاعر:
يلومك في التدريس من لم يعانه … ويغبط من لم يدر ما طعمه المر
مظاهر يستهوي النفوس بريقها … ومن دون ما تخفيه من زيفها ستر.
إن أول بحث عن الاهتمام بالتعليم وتطويره هو الاهتمام بالمعلم فالمعلم هو قائد المسيرة التعليمية فيجب بحث هموم المعلم وتحقيق تطلعاته وأن يهيئ له سبل الراحة والطمأنينة ويصنع للمعلم هيبته لدى الطالب والمجتمع وأن تقف وزارته بجانبه بكافة احتياجاته لا ضده لكي يبدع وينتج ويصنع عقولاً نيرة ففاقد الشيء لا يعطيه فإذا لم يكن المعلم راضيًا عن وزارته فسينعكس ذلك على عمله رضي أم أبى.
كيف نريد إنتاج من معلم يثقل كاهله الأنصبة ليس لديه مجال للتفكير كيف نريد من معلم الإبداع ونحن نكدس الفصول بالطلبة بما لا يقل عن خمس وأربعين طالباً في الفصل كيف سيوزع عليهم الأسئلة بل كيف سيقيمهم وكيف له متابعتهم كيف نريد من المعلم التميز وهو معلم ومشرف ومناوب ورائد فصل ولديه إذاعة ولديه أنشطة وواجبات وتحضير
لن ينتج المعلم ولن يكون مبدعا ومتميزا وهم يوقعون عليه الضغوطات يقتلون الإبداع والإنجاز بل حولوا المعلمين بذلك إلى آلات تتحرك من غرفة صفية هنا إلى أخرى وساحة هنا وساحة هناك وهذا من شأنه قتل الإبداع والعطاء وانعكس سلباً على العملية التعليمية بمخرجاتها.
وصدق الشاعر الذي وصف حاله
أعاني من التدريس عشريـن حجـة … طوارق أحزان يضيق بها الصـدر
وأحـمـل يا سـلـمـى نصابـا مروعـا … تخور القوى منه وينقطـع الظهـر

ولله أتــعــاب الـــمــعـــلـم نـفـعـهـا … إلى غيره يعزى وليـس لـه شكـر
فالدراسات التي أجراها عالم بريطاني تثبت عكس ما تسير به الوزرة الموقرة من أن زيادة كفاءة الطلاب هو بتقليص عدد أيام الدراسة بدل من زيادة حصة على الدوام الحقيقي فتقليص أيام الدراسة سيكون له الأثر الإيجابي في زيادة مستوى التحصيل العلمي ويحسن من صحة الشخص ويزيد من حجم الإنتاج لديه كما أن هناك أبحاث أمريكية تسير نفس الاتجاه.